أيها الجمهور الكريم ,
لا أستطيع أن أستهل حديثي هذا المساء دون التطرق الى أحداث اليوم الفائت والى قرار المستشار القضائي للحكومة اجراء استماع لرئيس الدولة, وذلك على ضوء امكانية تقديم لائحة اتهام خطيرة ضده. في هذه الظروف, لا يساورني اي شك بان رئيس الدولة لا يستطيع مواصلة أداء مهامه وسيتوجب عليه مغادرة مقر رؤساء إسرائيل. إنه يوم حزين بالنسبة لدولة إسرائيل.
سيداتي سادتي, قبل سنة تماما الا يوماً تشرفت بحضور هذا المنبر أي الجلسة الختامية لمؤتمر هرتسليا بصفتي القائم بأعمال رئيس الوزراء أريئيل شارون, الذي كان قد فقد قبل ذلك بعدة أيام وعيه الذي لم يستعده حتى هذا المساء. في خطابي آنذاك, صليت وابتهلت باسمي, باسم جميع الحضور, وباسم شعب إسرائيل كله, من أجل استعادة أريئيل عافيته. وقد رافقني هذا الأمل وهذه الصلاة وما زالا يرافقانني طوال السنة وحتى يومنا هذا.
أريد ان أركز اقوالي اليوم على موضوع هو من الأهمية بمكان في نظري, وقد كان في صلب مناقشات هذا المؤتمر خلال الأيام الأخيرة. هذا الموضوع ستكون له انعكاسات ذات مغزى على دولة إسرائيل وعلى المنطقة بأسرها خلال العقد المقبل. سأقدم لكم تقريرا عن التهديد الإيراني.
ما من جهة بيننا اليوم لا تشعر بالأخطار الكامنة في هذا التهديد, ليس بالنسبة لإسرائيل وحدها, وانما بالنسبة لمستقبل المنطقة كلها واستقرار النظام العالمي.
لقد عملت جميع حكومات إسرائيل خلال العقد الأخير وبهمة من اجل تحسين قدرتنا على سبر غور النوايا الإيرانية, من اجل زيادة الوعي الدولي لهذا التهديد,وحشد الدعم الدولي لوقف المساعدات الخارجية لمشروع إيران النووي واعداد الخيارات الملائمة في حالة عدم نجاح هذه الجهود في نهاية المطاف.
إننا حققنا انجازات لا يستهان بها في جميع هذه المجالات, لكن إيّانا أن نوهم أنفسنا: إن الهدف الرئيسي الذي يجب تحقيقه ما زال أمامنا.
إننا نتابع ومنذ سنوات طويلة الجهود الإيرانية الرامية الى الحصول على أسلحة نووية تحت غطاء المشروع النووي المدني. فالإيرانيون يعملون عبر قنوات سرية ايضا في عدد من المواقع المنتشرة في أرجاء إيران. ونحن نشهد خلال السنوات الأخيرة نشاطا إيرانيا مكثفا بشكل خاص على مسارين مختلفين – العلني والسري.
إن المساعدات الإيرانية للإرهاب الفلسطيني على شكل أموال ووسائل قتالية ومعلومات سواء أكانت مباشرة او من خلال سوريا ، وكذلك المساعدات الإيرانية للإرهاب في العراق وكشف النقاب عن القدرات العسكرية التي اكتسبها حزب الله من إيران أثناء الحرب في لبنان إضافةً إلى المساعدات التي قدمها الإيرانيون مؤخرا الى حماس – كل هذه الأمور مجتمعةً جسدت بنظر الكثير من الناس مدى جدية وخطورة التهديد الإيراني.
لقد أدى هذا النشاط إلى نشوء جبهة مضادة تشمل جميع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وبعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية ودول الخليج ومصر والأردن فضلاً عن ودول رئيسية أخرى في الغرب مثل ألمانيا واليابان. هذه الجبهة تعمل من أجل توحيد الصفوف والحيلولة دون تحول هذا التهديد الى واقع ملموس.
لقد عدت مؤخرا من زيارة بالغة الأهمية الى الصين وأنهيت بذلك جولة من الزيارات السياسية. لقد التقيت جميع زعماء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وزعماء دول مهمة أخرى. وقد كان الموضوع الإيراني يتصدر سلم الأولويات ويقف في صلب جميع اللقاءات التي أجريتها ويجريها وزراء آخرون وجهات مختصة بصورة متواصلة .
خلال جميع الاتصالات التي قمت بها ظهر توافق لا خلاف فيه حول ضرورة عدم السماح لإيران بان تصبح دولة تملك أسلحة نووية او المواد المطلوبة لانتاج مثل هذه الأسلحة.
ان طرح القضية الإيرانية على مجلس الأمن واتخاذ القرار 1737 هي خطوات هامة وحدت صفوف جميع الدول الأعضاء في مجلس الأمن. وقد تم اتخاذ القرار بعد جهود دبلوماسية حثيثة ومعقدة شاركت فيها الكثير من الجهات بما في ذلك جهات غير قليلة في دولة إسرائيل, سواء على الصعيد السياسي او على الصعيد المهني. نحن نعلم ان جهودنا قد ساهمت مساهمة ملحوظة في بلوغ هذه النتيجة.
من الواضح للجميع ان الحل الدبلوماسي للقضية الإيرانية هو الحل الأفضل. إنه الحل الذي نرغب فيه نحن أيضاً. والاتجاه السياسي الذي يميل اليه معظم المجتمع الدولي هو حل قد يؤتي ثماره طالما تمت صياغته بالذكاء والحزم المطلوبين مع الحرص على الحد الأدنى من المطالب التي لا تقبل المساومة عليها.
كلما كانت الخطوات التي سيتم اتخاذها وتتخذ الان من قبل المجتمع الدولي أشد حدة وقطعا ووضوحا وحزما كلما قلت الحاجة الى تبني حلول أكثر صرامة وشدة في المستقبل.
كل من يؤمن مثلنا انه يفضل التوصل الى حل دبلوماسي ملزم بالتشمير عن ساعديه الان وممارسة الضغوط على إيران والدأب والمثابرة على ذلك حتى إحداث التغيير المنشود.
ان غض الطرف الان وتجاهل الواقع والتلكؤ ومحاولة التوصل الى حلول وسط خطيرة والامتناع عن اتخاذ خطوات واضحة لن يبقي لاحقاً أمامنا جميعا أي أمام كل من يريد منع إيران من التحول الى دولة عظمى نووية سوى خيار اتخاذ الخطوات الأشد قسوة في المستقبل.
أريد ان أوضح أن إيران هشة وحساسة جدا للضغوط الدولية رغم موقفها المتغطرس والعنجهي والمتحدي وهي تدفع أثمانا باهظة آخذة بالتزايد جراء سلوكها هذا أثمان سوف تزيد الثقل عليها اذا استمرت في سياستها. بغض النظر عن مدى خطورة التهديد الإيراني, فان دولة إسرائيل ليست معرضة لتهديد هجوم وشيك بأسلحة نووية.
في المرحلة التي نتواجد بها الان ما زال هناك متسع من الوقت لكنه ليس إلى ما لا نهاية من أجل التصدي لنوايا إيران الاستحالة الى دولة نووية تهدد جميع خصومها وفي مقدمتهم إسرائيل. إننا لا نتخذ موقف الطمأنينة واللامبالاة ، ولا يمكننا أن نكون هكذا بحال ، بل ننظر الى التهديد الإيراني ببالغ الخطورة.
إن إسرائيل لا تشكل رأس الحربة في الصراع ضد التهديد الإيراني. ويجدر بالدول العظمى وغيرها من الدول ذات المكانة البارزة أن تقود ملف التعامل مع هذا التهديد بشكل جدي ومسؤول.
إلا أننا موجودون فعلا في مقدمة جبهة النضال من أجل طرح هذه القضية على أجندة زعماء العالم وعلى أجندة الرأي العام العالمي. اذ من واجبنا الاشارة الى المخاطر والمساعدة في ايجاد الحلول لها.
فالشعب اليهودي الذي لا تزال ندوب الكارثة محفورة في جسده لا يمكنه السماح لنفسه بأن يواجه مرة اخرى تهديدا لوجوده وبقائه. لقد لزم العالم الصمت في الماضي والنتائج معروفة للجميع. إن مهمتنا هي منعه من تكرار هذا الخطأ مرة أخرى.
إنها مسألة أخلاقية من الدرجة العليا. وهناك لحظة تصبح فيها جميع القواعد الدبلوماسية المتعارف عليها غير ذات صلة او اهمية حيث يعلن زعيم دولة وبشكل رسمي وعلني عن نية دولته أن تمحو من خريطة العالم دولة اخرى, وهذه الدولة تنتج أدوات تتيح تحقيق هذا التهديد المعلن. وفي ظروف كهذه ليس من حق اي دولة ولو مجرد التفكير في موقفها بهذا الشأن.
إنه واجب لا يعلوه واجب ويتطلب العمل بمنتهى القوة ضد هذه المؤامرة.
ليس لدينا اي شيء ضد الشعب الإيراني, لسنا أعداء الشعب الإيراني ولسنا معنيين باي نزاع مع إيران. وفي الماضي, قبل سيطرة الجهات المتطرفة على هذه الدولة ذات التراث المجيد والقدرات الباهرة, سادت بيننا علاقات من الود والصداقة.
ما يدفع ويحرك قيادة إيران اليوم هو التعصب الديني والتطرف الأيديولوجي. وهي التي اختارت سياسة المواجهة معنا وهي التي تهدد بمحو دولة إسرائيل من خريطة الشعوب وتدعم الإرهاب وتسعى الى تقويض الاستقرار في المنطقة. والنظام الإيراني بسعيه الى الهيمنة الاقليمية يتحمل مسؤولية الاضطرابات التي تفتعلها منظمة حزب الله بهدف إسقاط نظام الحكم في لبنان.
إن التهديدات والعداء والحرب ليست طريقنا. لقد كان تطلعنا وسيبقى دائما نحو العيش بسلام مع جيراننا القريبين منهم والبعيدين. لن نرفض ابدا يدا ممدودة لنا لسلام حقيقي مع اية دولة. فهذا ما نتطلع اليه وننشده.
مع ذلك, لا يجب تفسير رغبتنا بالسلام على أنها علامة ضعف بل يجب النظر اليها كمصدر قوة. إن كل من يهددنا ويهدد وجودنا عليه أن يعرف بان لدينا الحزم والقدرات للدفاع عن أنفسنا والرد بقوة وروية وبكل الوسائل المطلوبة المتوفرة لدينا. لن نسمح بتعريض حياة شعبنا او حياة دولتنا للخطر.
لدينا الحق في حرية العمل المطلقة من اجل حماية مصالحنا الحيوية. لن نتردد في القيام بذلك. ولا أقترح على أحد أن يخطيء ويستنتج بان ما نبديه من ضبط النفس والمسؤولية سيثبط عزيمتنا وقدرتنا على العمل حين تدعونا الضرورة الى ذلك.
ما زال الموضوع الإيراني يشغلني ويشغل تفكيري دون توقف. إنني أكرس جل اهتمامي لهذا الموضوع واتابعه يوميا بالتشاور مع الوزراء المعنيين وبالتنسيق مع الجهات والوزارات ذات الصلة.
ويجب التأكيد أيضاً عدم وجود أي فرق ماضياً وحاضراً ومستقبلاً إزاء التهديد الإيراني بين المعارضة والائتلاف او بين اليمين والوسط واليسار.
جميعنا متحدون بهذا الموضوع , والشعب يقف متكتلا ومستعدا لمواجهة الأخطار التي تتربص بدولة إسرائيل.
ما من تجربة بشرية لم نمر بها. وقد خبرنا جميع أشكال الألم والتهديد والكراهية والحقد والاضطهاد والعنف وسفك الدماء. إننا أبدينا قوة احتمال لا مثيل لها في العالم وبنينا حياتنا واقمنا دولة هي مدعاة للاعتزاز والافتخار.
ما من قوة في العالم يمكنها تدميرنا – ولن تكون. نحن نرفض الانجرار الى جو من التخويف الذاتي الجماعي ولن ندع الشعب يغرق في الكآبة وعدم الثقة. فنحن نملك قوة هائلة. وليس هناك ما نخشاه او نخافه ولن نخاف.
نحن جميعا ندرك مدى جسامة المسؤولية ومصيرية الساعة في هذه القضية الحساسة. إننا نستطيع سوية بجهود داخلية مشتركة ومن خلال توحيد القوى مع العالم واسماع صوت واحد ومسؤول وشديد الوضوح والحزم والخالي من المزايدات ، نستطيع مواجهة التهديدات النووية بل وإحباطها.
شكرا جزيلا .