|
سيدتي رئيسة الكنيست, أصدقائي أعضاء الكنيست,
اسمحوا لي أن أبدأ بالذات من النهاية: لا توجد حروب سهلة, مثلما لا توجد انتصارات بدون ثمن. إن كل قرار بشأن خوض حرب, حتى لو كان مبرره في غاية الوضوح – ليس سهلا ابدا, وكل من يقول خلاف ذلك, اما انه لا يقول الحقيقة او انه عديم القلب. لم يغمرني السرور او حماس القتال عندما خرجنا الى حرب لبنان الثانية. لكني آمنت آنذاك, مثلما أؤمن الآن, بأن هذا كان القرار المطلوب والضروري في الظروف التي نشأت آنذاك.
صحيح أن حرب لبنان الثانية, مثل جميع الحروب التي خضناها حتى اليوم, قد جبت ثمنا غاليا. هذا جزء من الثمن الباهظ الذي تدفعه دولة إسرائيل منذ ستة عقود, مقابل رغبتها في العيش بسلام وأمن واستقلال. إن الثمن الذي ندفعه بأرواح الجنود والمدنيين من أبناء شعبنا غير قابل للتقدير او للقياس, لأنه ما من ثمن لألم أم ثكلى, وما من مقياس لحزن وأسى أب فقد ابنه, وما من كيل لليتم. وانا أرى الأمهات والآباء, الأخوة والأولاد والزوجات, عائلة تلو عائلة, يغمرهم الحزن والفجيعة, يصلون في كل أسبوع الى مكتبي, لأستمع منهم الى أحاديث تمزق نياط القلب.
لهؤلاء الذين يحاولون زرع الإحباط إضافة الى الثكل اقول بكل حزم: إن الثمن الدموي الذي دفعناه لم يكن عبثا وهباء. ومن واجبي قول هذا للعائلات الثكلى مرارا وتكرارا. قبل نحو اسبوعين تجولت على الحدود الشمالية. وقد زرت من بين ما زرت شلومي وعرب العرامشة – وقد أروني في كل مكان زرته المواقع التي تحصن فيها ذات مرة مخربو حزب الله. سكان اعتادوا أن يفتحوا نوافذ بيوتهم في كل صباح ليجدوا قبالتهم, في كل ساعة ودقيقة, وعلى بعد عشرات او مئات الأمتار منهم, رجلا من حزب الله يصوب فوهة بندقيته باتجاههم. هذا الوضع لم يعد قائما بعد.
لقد كان للحكومة التي أترأسها أهدافها عندما خاضت هذه الحرب. وأهداف الحرب كما تحددت مسبقا كانت تطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 1559, أخراج حزب الله من المنطقة الحدودية, انتشار جيش لبنان في الجنوب اللبناني, وقف تام لاطلاق النار وإعادة الجنديين المخطوفين. كان هناك من انتقدوا وعرفوا المطلب الأخير كمطلب طموح وفير واقعي. صحيح اننا كنا نعرف ان احتمال اعادة الجنديين المخطوفين, أودي غولدفاسير وإيلداد ريغيف, بواسطة حملة عسكرية هو احتمال ضئيل للغاية. لكن هذا لم يمنعنا من أن نبادر وننفذ, وخلال عمليات القتال, خطوات جريئة كان هذا الهدف من ورائها. وما أسمعناه من أقوال في هذا الموضوع كان له غاية واضحة. اذ لم نستطع أن نتوقع بأن تقوم الأمم المتحدة, مجموعة الثماني ال – G8, ومؤتمر روما – بوضع موضوع الجنديين المخطوفين على رأس همومهم وأولوياتهم , لو لم نصرح نحن أولا بانهما على رأس همومنا وأولوياتنا.
سيداتي سادتي أعضاء الكنيست,
منذ نشر تقرير لجنة فينوغراد, تملأ أجواءنا الجماهيرية أصوات متنافرة ملؤها النشاز لا تنتهي. ومن بين هذه الأصوات, سمعنا عددا من الأصوات, ليست بالذات من النوع الصارخ المتهجم, قامت بتحليل الأمور على حقيقتها, ومن منظور دولي وتاريخي واسع. هكذا على سبيل المثال, استمعت الى أقوال البروفيسور مارتين فان – كرفيلد من كلية التاريخ في الجامعة العبرية, الذي درس وبصورة جذرية ومستفيضة نتائج حرب لبنان الثانية. وحسب أقواله, فإن فترة التسعة شهور منذ الحرب وحتى الآن, هي أطول فترة هدوء حظيت بها إسرائيل على الحدود الشمالية منذ عام 1968. وهو يحدد بأن الهدف, وهو تغيير الوضع في الشمال وبشكل أساسي – قد تحقق. فطوال السنوات 2006 – 2000 كان يقع حدث كل ثلاثة او أربعة شهور بالمعدل, اما منذ تطبيق القرار 1701 فيتم الحفاظ على الهدوء.
الوضع في جنوب لبنان, سادتي أعضاء الكنيست, قد تغير بصورة جوهرية وجذرية. وقد وجدنا صدى لذلك أيضا بأقوال قائد قوات يونيفيل في جنوب لبنان, الجنرال كلاوديو غراتسيانو. " أريد أن يفهم الإسرائيليون بأن الوضع في لبنان قد تغير وتبدل. هناك قوات يونيفيل مغايرة وجديدة" كما قال, "والسكان في جنوب لبنان يدركون بأن الوضع قد تغير من أساسه. لا وجود لمواقع حزب الله – هنا وهناك ثمة ملصقات وأعلام فقط. اذ تتجول في المنطقة دبابات إيطالية وفرنسية. هذه أهدأ فترة في جنوب لبنان منذ اربعين سنة". هذا ويبلغ الجنرال غراتسيانو عن عثور قوات يونيفيل حتى الان على مئات من استحكامات ومواقع حزب الله التي تم قصفها وتفجيرها بمحتوياتها. وحسبما أفاد, فإن كل ما وجده رجاله داخل مئات الاستحكامات موجود من قبل الحرب. كما انه لا توجد صواريخ جديدة اليوم جنوب نهر الليطاني.
قي العالم ايضا ينظرون الى هذه الحرب كحرب قد حققت انجازات استراتيجية لإسرائيل. أحد أهم المحللين في الصحافة العالمية, توماس فريدمان من ال"نيويورك تايمز", الذي نشر مقالا في اعقاب التقرير المرحلي للجنة فينوغراد, كتب في مقاله قائلا: " نتيجة للعملية الإسرائيلية في لبنان, ألحق حسن نصر الله كبير ضرر بقدرة منظمته على الردع وكذلك بقدرة كل من إيران وسوريا. فحين بدأت الحرب كان مقاتلو حزب الله يرابطون على الحدود مع إسرائيل ويشكلون تهديدا حقيقيا عليها. اما في أعقاب الحرب, فقد تم ابعاد عناصر حزب الله عن الحدود, لترابط مكانها قوات تابعة للأمم المتحدة. نحن نتحدث عن خسارة استراتيجية هائلة لمنظمة حزب الله". وينهي فريدمان مقاله بقوله: : اليوم أقل من سنة بعد الحرب, أصبحت دولة لبنان أكثر ضعفا ودولة إسرائيل أكثر قوة. هذه هو بيت القصيد. وبناء على ما تقدم, اذا كان لدى زعيم حزب الله كرامة ذاتية, فعليه التنحي وتقديم استقالته".
اذن ما الذي يحدث لنا. إني أرى مناظر الإحباط, أسمع أصوات اليأس, أحس بمشاعر الامتعاض, وانا جد قلق من جميع هذه الظواهر. ربما , كما قال أحد أعضاء لجنة فينوغراد, " إن سبب جلوسنا هنا اليوم هو وجود هوة كبيرة جدا في وعي الجمهور الإسرائيلي, باستيعاب الفارق بين مدى الإصابة التي الحقناها بحزب الله وبين النصرالصوري لحزب الله كمنظمة عصابات صغيرة".
من اين هذا العناد الإستحواذي على عرض صورة سلبية باللونين الأسود والأبيض فقط. اذ ان لجنة فينوغراد قد حددت, أنه في تعاطي جميع متخذي القرار في الحرب, كانت هناك الكثير من المظاهر المثيرة للانطباع في مجال التفاني والبذل والعطاء, قدرة التشخيص وبذل الجهود, القدرة على الحسم وتحمل المسؤولية.
سيدتي رئيسة الكنيست , سادتي أعضاء الكنيست,
من يهتم حقا بتطبيق تقرير فينوغراد فليقرأه كله, وبكامله. بما فيه من خيروشر. والا يبحث فيه عما لا يحتويه, والا يحوله الى مقصلة سياسية. لا داعي لاستنفاذه بسباق سياسي من قبل من يستعجلون تسلم مقاليد الحكم, حتى بثمن تدمير ذاتي لا حدود , لا أساس له, وخال من اي منطق . كل ذلك حول حرب لم يكن هناك اي مناص لتجنبها وعدم خوضها. صحيح, كانت هناك أخطاء وإخفاقات, بعضها حدث خلال الحرب, بعضها يكمن في الطريقة والسلوب, وبعضها تراكم طوال سنوات. والتقرير يشير الى جميعها بصورة ثاقبة وواضحة. لقد طلبتم أن أمثل هنا هذا المساء لكي أتحدث عن العبر والاستنتاجات. ورغم تقديري واحترامي لحاجة بعض الرفاق هنا الى الكلام, المجادلة وبخاصة الى المماحكة, فإن الحكومة برئاستي منهمكة بالأفعال لا بالأقوال. لقد أوضح اعضاء لجنة فينوغراد بأنهم قدموا تقريرا مرحليا فقط, قبل استكمال عملهم بعد, نظرا لانهم رأوا ان هناك عجالة لتصحيح بعض الأخطاء. وكل من لديه عقل في رأسه أدرك بأن اللجنة تقول "نعم" لتصحيح الأخطاء و"لا" لقطع الرؤوس. ومن لم يذوت ذلك ويستوعبه, فإن الامور مكتوبة بصريح العبارة في التقرير نفسه, مع توجيه اللجنة انتقادها الى نزعتنا كمجتمع ودولة لاستنفاذ علاج مواضيع جوهرية وملحة بواسطة قطع الرؤوس.
لقد احترمت الحكومة هذا التوجه الإيجابي لدى اللجنة, شمرت عن ساعديها وهبت لتطبق ما يلي:
• يمر جيش الدفاع في فترة من العمل غير العادي, ونحن نتابع عن كثب تطبيق العبر والاستنتاجات – بالتدريبات, بالمناورات, بالتزودات والتجهيزات: على الصعيدين القيادي والميداني. لن نسمح مرة أخرى بأن ينشأ وضع يصل خلاله الي قائد كتيبة في الشبيبة الطليعية المقاتلة (ناحل), يشغل منصبه منذ عامين, ويروي انه قام بأول مناورة لكتيبته خلال القتال والمعارك في لبنان. • جزء ملحوظ من توصيات اللجنة أصبح قيد التطبيق بتعاطي الحكومة والمجلس الوزاري المصغر ايضا. • يوم الخميس الماضي, بدأ طاقم توجيه عمله من اجل تطبيق استنتاجات اللجنة, وذلك برئاسة رئيبس الأركان السابق, أمنون ليبكين شاحاك. وبموجب تعليماتي, من شأن الطاقم إنهاء عمله قريبا.
الآن اذن, هو الوقت لتصحيح الأخطاء – وسوف أهديء من روع جميع أنواع المتسرعين بقولي , إن وقت المحاسبات الشخصية سوف يأتي بعد.
أريد أن أضيف بعض الأمور بلهجة شخصية,
لم أجيء هنا من أجل المقارعة والمماحكة, لا معكم – سادتي أعضاء الكنيست, ولا مع اي جهة أخرى. بل جئت لأقول شيئا لشعب إسرائيل, لسكان شمال البلاد, للعائلات الثكلى التي فقدت أبناءها في الجبهتين الداخلية والخارجية, للجنود المصابين ولعائلات الجنديين المخطوفين: إنني فخور بقرار حكومة إسرائيل من يوم 12 يوليو/تموز أن ترد بحدة وبشدة على اختطاف أودي وإيلداد, على قتل ثمانية من جنودنا, وعلى اطلاق النار باتجاه التجمعات السكنية في شمال البلاد. لم نرد على هذا النحو دائما. حتى اننا تغاضينا أحينا عن بعض الأحداث. اما في 12 يوليو/تموز فتمالكنا أنفسنا , فكرنا وقررنا – ليس بعد الآن. وقد كان قرارنا قرارا محقا, حتميا وصائبا.
لقد فكرت مليا , خلال عدد من المناقشات على مدار بضعة شهور, بنمط ردنا قبل وقوع الحدث بزمن كبير. ناقشت هذا الرد, وطرحت توصيات المستويات الأمنية أمام الحكومة, جميع أعضاء الحكومة بدون استثناء, بعد أن استمعوا جيدا الى كل التفاصيل, صوتوا بالإجماع على رد فعل إسرائيلي حازم , وحتى تمت المصادقة على صيغة بيان يحدد أهداف رد الفعل الإسرائيلي.
الحقيقة هي انني بلورت موقفي بعد سلسلة من المناقشات المتواصلة , بدأت يوم كلفت بمسؤولية إدارة شؤون الدولة في بداية يناير/ كانون ثان 2006. وصحيح اني قد وصلت الى 12 يوليو/تموز ولدي موقف مبلور , ولم أتسرع في اتخاذ القرار على أساس الأحداث في ذاك اليوم فقط. هكذا يجب التصرف. وهكذا كان من واجبي أن أتصرف.
زملائي أعضاء الكنيست, أذكر جيدا الدعم الذي منحته الغالبية العظمى في هذا المجلس – لقرلر الحكومة من يوم 12 يوليو/تموز. أنتم ايضا كنتم محقين, آنذاك , حين وقفتم الواحد تلو الآخر وعبرتم عن تقديركم لخطوات الحكومة, وأشرتم الى ضرورة قيام الحكومة برد فعل, حتى رغم المعرفة بان هذا الرد سيؤدي الى إصابات وأضرار في الجبهة الداخلية – آنذاك, كانت المعارضة في أوجها وأفضل حالاتها. لقد قدرت واحترمت الرد الحازم لزعيم المعارضة, بنيامين نتنياهو, الذي دعوته الي ليلة 12 يوليو/تموز. وقد قمت باطلاع زعيم المعارضة , كما يتطلب الأمر, على المستجدات المفصلة, الكاملة والشاملة التي ناقشتها الحكومة, قراراتها , الرد الإسرائيلي المتوقع في تلك الليلة, وعلى الأهداف المحددة لهذا الرد. وقد أخبرني السيد نتنياهو بانه يقدم دعمه الكامل, وغير المتحفظ لهذه القرارات. هو الآخر كان سيتصرف على هذا النحو – قال لي. في 26 يوليو/تموز ايضا, بعد مرور أسبوعين من بدء الحرب, وعمليا عشرة أيام بعد الفترة التي فحصت من قبل لجنة فينوغراد, حظيت بدعم شبه كامل من قبل لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست. وقد قال السيد نتنياهو آنذاك ما يلي: " إنني اقف وراء الأهداف التي حددها المجلس الوزاري المصغر. وأحدد بان هذه أهدافا لائقة يجب دعم تحقيقها. اهنئكم على الانجاز الهائل: وهو صدور بيان الدول الثماني ال - G8". لا شك بان دعم زعيم المعارضة كان هو الاخر بمثابة لبنة هامة في نظرة الجمهور العامة الى الحرب.
لقد كان هناك ايضا أعضاء معارضة قلائل وجهوا الي الانتقاد في تلك الأيام. بعضهم ظنوا ان رد الفعل الإسرائيلي ضد حزب الله لا يكفي – ويجب توسيعه ليشمل جهات أخرى. المؤيدون والمنتقدون يستحقون كل الشكر. حتى وإن كان بعض أعضاء المعارضة يميلون اليوم الى نسيان موقفهم في تلك الأيام, ويسعون الى إقالتي بسبب تلك القرارات التي دعموها وشجعوها, بيد اني لن أنسى – كيف تصرفوا بمسؤولية خلال تلك الأيام الصعبة. وهذه وقفة يستحقون عليها كل التقدير مني.
قبيل انهاء كلمتي وليس علىهامشها, أريد التطرق الى ظاهرة مقلقة في أعقاب نشر التقرير المرحلي للجنة فينوغراد – الا وهي التهجمات على جيش الدفاع. لن أنجر او أنجرف بأي حال من الأحوال او ظرف من الظروف الى الروح الانتقادية المتهجمة ضد جنود جيش الدفاع, مقاتليه وقادته. فهم يشكلون العامود الفقري لبأسنا ومنعتنا. وهم أساس وعماد قوتنا, ومصدر اعتزازنا وفخرنا. إننا نحب جيش الدفاع, مقاتليه وقادته, جميعهم, وسوف نواصل احتضانهم , تقديرهم وتبجيلهم.
سادتي أعضاء الكنيست,
لقد قلت في يوم القتال الأول, كما قلت بعد نهاية القتال وما بين الفترتين: إن المسؤولية العليا – تقع على عاتق الحكومة وقبل كل شيء علي انا, بصفتي رئيسا لها. لم أغير موقفي, لم أتهرب من المسؤولية, ولم أتنصل من كل ما يترتب عليها. إني واع تماما لكامل نطاق المسؤولية, للإخفاقات, للأخطاء, للتقصيرات وكذلك للانجازات العظيمة. وعلى أساس هذا الوعي وهذه البصيرة – ستواصل الحكومة برئاستي, قيادة شعب إسرائيل الى الأمن, الرفاه, الازدهار, المصالحة الوطنية, وبمشيئة الله – الى السلام ايضا.
شكرا جزيلا
|