الصفحة الرئيسيّة
      ابحث   بحث متقدّم
  עברית   |   English
 
مراجعات الجمهور
ردود فعل واقتراحات
الصفحة الرئيسية  أرشيف  خطابات  2008  حزيران  كلمة رئيس الوزراء حول الروابط بين القطاعات المختلفة في إسرائيل ضمن أعمال مؤتمر "الشراكات"
كلمة رئيس الوزراء حول الروابط بين القطاعات المختلفة في إسرائيل ضمن أعمال مؤتمر "الشراكات"

18/06/2008
تمّ التصوير من قبل الديوان الحكوميّ للصحافة
الى الصورة المكبّرة

وزيرة التربية والتعليم البروفيسور يولي تامير ،
رئيس منتدى "شراكات" السيد روني دويك ،
رئيس اللوبي البرلماني المعني بدفع المجتمع المدني عضو الكنيست زفولون أورليف ،
رئيس اتحاد الجاليات اليهودية في أميركا الشمالية (UJC) السيد هوارد ريغر ،
رئيس صندوق "راشي" السيد هوبرت ليفن ،
رئيسة الجمعية المعنية بمصابي الصدمة ("ناتال") ومؤسسة صندوق "غندير" السيدة يهوديت يوفال – ريكاناتي ،
مدير عام ديوان رئاسة الوزراء السيد رعنان دينور ،
مدير عام مشروع "شراكات" السيد شلومو دوشي ،
رئيس منتدى القيادة المدنية البروفيسور دوف غولدبرغير ،
مدير مركز أبحاث القطاع الثالث [التابع لجامعة بن غوريون] البروفيسور بيني غيدرون ،
عدد من أبرز رجال الأعمال الإسرائيليين ،
أيها الحضور الكرام ،

إن المجتمع اليهودي بحكم كينونته لهو مجتمع يتطلع إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. إن هذا الإصرار على عدم التسليم بالمظالم الاجتماعية والعمل على بناء مستقبل أفضل – يلتصق بالشعب اليهودي منذ بداية طريقه. إن نظام الرفاه الاجتماعي لدينا يستمد مبادئه الأساسية من المراجع اليهودية حيث تم تكوين صورتنا كشعب ، حيث تمت صياغة كيفية تعاملنا مع الفقير والضعيف ، وحيث صِيغ مفهوم العدالة الاجتماعية الذي نقول به.

لقد جاء في سفر التثنية الأصحاح الخامس ما يلي: " احفظ يوم السبت.. لكي يستريح عبدك وأمَتُك مثلك" ؛ كما جاء في سفر اللاويين الأصحاح الثالث والعشرين: "وعندما تحصدون حصيد ارضكم لا تكمل زوايا حقلك في حصادك ولقاط حصيدك لا تلتقط. للمسكين والغريب تتركه" ؛ ثم جاء في الأصحاح الخامس والعشرين من السفر ذاته ما يلي عن عام اليوبيل: "وترجعون كلٌ الى ملكه وتعودون كلٌ الى عشيرته".

إن التزامنا الأخلاقي بصفتنا دولة يهودية وصهيونية يضع أمامنا معايير عالية يتعين علينا – حكومةً ومجتمعاً – السعي لاستيفائها. إنها المعايير التي تحرّك العمل الاجتماعي لما يُعرف بالقطاع الثالث [الجمعيات غير الربحية] ويجعل رجال الأعمال يسعون لكي يعيدوا للمجتمع ما تلقوه منه.

غير أن العطاء في القرن الحادي والعشرين لم يعُد كما كان عليه محصوراً في دور الصلاة والعبادة أو في المحيط المجتمعي الضيّق بل تم مأسسته وتنظيمه ، وتساهم فيه القطاعات الثلاثة [العام والخاص والثالث] ، وهو أصبح يقوم على مبادئ إستراتيجية.

ويتوجب على الحكومات في مثل هذا الواقع أن تغير من نمط عملها. لقد ولَّى عهد استفراد الحكومة بأرض الملعب بصفة لاعب يسعى لتحقيق الصالح العام. إذ هناك حالياً شركاء في العمل إلى جانب الحكومة. ولا ينبع الأمر من رغبة الحكومة في تقاسم المسؤوليات وإنما من منطلق كوننا شعباً يتحمل المسؤولية. وبالتالي يجب على الحكومة أن تهيئ لذلك وتشارك كل من يقدر على تقديم الدعم والمساهمة.

أود أن أقول شيئاً قد يجيب على السؤال الذي ربما طُرح خلال هذا الملتقى أو على تعبير (سواء إن قيل أم لا) كثيراً ما أسمعه لكنني لا أوافق عليه: عندما نناقش غالباً القضايا الاجتماعية – ولنا اليد الطولى في هذه القضايا إذ لا يستطيع أحد الادعاء (ولا أعتقد بأن هناك مَن ادّعى بذلك هنا) بأن هذه الحكومة لا تضطلع بدور في القضايا الاجتماعية التي يجب أن تؤرق جنب شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي وهي بالفعل كذلك في مناطق مختلفة من البلاد. كما أن هذا النقاش يترافق عادةً بملاحظة (تكون تارةً بارزة وتارةً هامشية) مفادها أن الحكومة لا تعمل مما يكفي مما يحدو بجهات تطوعية إلى العمل ويجعلها محل إشادة وتقدير إلى جانب الانتقاد الموجه إلى التقصيرات الحكومية.. إنني لا أريد التهرب من المسؤولية إذ إن المسؤولية الكاملة تقع دوماً على الحكومة ولكن ما من دولة في العالم تنفرد فيها الحكومة بتوفير جميع الخدمات أو يُنظر إليها بأنها تتحمل وحدها المسؤولية عن توفير هذه الخدمات ، بل إن القطاع الثالث – وبفضل ثقل تبرعاته وتطوعه – يؤدي في جميع الدول الأكثر استنارةً وتقدماً وانفتاحاً وحساسيةً للاحتياجات الاجتماعية دوراً حاسماً يزيد كثيراً عن دوره في المجتمع الإسرائيلي ، ورغم ذلك لا يدّعي أحد في تلك الدول بأن حكوماتها مقصّرة أساساً لعدم منحها كل ما ينبغي للحكومة أن تمنحه.

لقد أدركت حكومات كثيرة في العالم الغربي خلال السنوات الأخيرة أن قواعد اللعبة قد تغيرت وأن هناك أهمية تتأتى من هذه الشراكة التي تتطلب نمطاً جديداً من التفكير. إنني أعتقد بأن هذه الشراكة لا تستوجب قيام مجتمع مدني ومشاريع خيرية مهنية ناشطة فحسب بل أولاً وقبل كل شيء رسم الحدود أيضاً.

إن أهم ما قد ينبثق عن هذا الواقع حسب رأيي ليس شعور القطاع الثالث بالمسؤولية عن نطاق مشاريعه التطوعية (إننا نقر بهذا الأمر ونوفيه حقه وإنني شخصياً أعرف بعض الحضور وما يقومون به وأنا معجَب باكتراثهم ومشاركتهم في العمل التطوعي.. لا أعتقد بأن قضية الإقرار بأهمية هذا التطوع والإشادة به هي موضع جدل ، غير أن المشكلة تكمن أساساً في رسم حدود العمل للجهات المعنية وهذا هو المنطلق الضروري لفهم كيفية المضي قدماً معاً.

سيداتي وسادتي ، ما من حكومة في أي دولة كانت (بما فيها إسرائيل) قادرة على عمل ما يرى المواطنون الإسرائيليون وجوب قيامها به. لذا يهمّ أن نعرّف الخدمات الجوهرية الواقعة في دائرة المسؤولية الحكومية ونقرر أين يوجد خط الحدود الذي يفصلها عن الخدمات الأخرى التي تتعدى – رغم أهميتها ورغم انعكاساتها على جودة الحياة – دائرة المسؤوليات الأساسية التي تتحملها الحكومة من منطلق تعاملها مع احتياجات مواطنيها. إن الموضع الدقيق للخط الذي يعرّف الخدمات الجوهرية يحدَّد طبقاً لمفهوم قيمي وعقيدة اجتماعية كونه يتصل بتحديد الأولويات. كانت هناك حكومات في إسرائيل قلّصت بصورة دراماتيكية من رقعة الخدمات الاجتماعية التي تقدمها لأسباب عقائدية ، إلا أن الحكومة التي أتشرف برئاستها لديها قد وسعت نطاق الخدمات الاجتماعية بصورة غير مسبوقة تأريخياً. إن الاتفاق الذي وقعته اليوم وزيرة التربية والتعليم يولي تامير مع نقابة المعلمين العامة حول تطبيق برنامج "أفق جديد" لإصلاح الجهاز التعليمي يندرج ضمن تغيير الأولويات الاجتماعية للحكومة التي تنفق مليارات الشواقل بصورة تؤثر في نهاية الأمر على مجمل المشهد الوطني من حيث الاختيار بين المشاريع التي تُرصد لها رؤوس الأموال الحكومية اللازمة والمشاريع الأخرى. إننا لم نقلص [الخدمات التي نمولها] بل وسعناها في تلك المواضع التي اعتبرناها حيوية لبناء الأسس الإنسانية والمدنية والاجتماعية المختلفة في إسرائيل.

إنني أتغنى بحقيقة إقدامنا على زيادة الاستثمارات في مجال التربية والتعليم فضلاً عن مضاعفة الاستثمارات في مشاريع رعاية أبناء الشبيبة المعرَّضين للخطر والأطفال الصغار – وهي مجالات لم تحظَ تقريباً باهتمام الحكومات السابقة. وبالفعل قد لا تصدقّون – ويدعو الأمر إلى الغرابة – أن الأطفال المعرَّضين للخطر لم ينالوا أي رعاية حكومية إلا بعد تشكيل لجنة برئاسة البروفيسور هيلل شميد وإعداد تقريرها الذي لم نكتفِ باعتماده كلامياً بل أصبحنا نطبقه عملياً ونوظف مئات ملايين الشواقل من الميزانيات العامة ، والأمر كذلك بالنسبة لرعاية الأطفال الصغار من الولادة وحتى السادسة من العمر التي أهملتها جميع الدوائر الحكومية فيما مضى.

إن هذه الاستثمارات تعكس القيم والأولويات المختلفة التي نقول بها والتي رفضت الحكومات السابقة (لأسباب مختلفة لا أريد مناقشتها حالياً) الإقرار بها. وينطبق هذا الأمر أيضاً على الناجين من المحرقة النازية الذين لم تستثمر أي حكومة على مدى 60 عاماً في ضمان رفاهيتهم.. حيث إننا عازمون على استثمار الأموال لإغاثة القلة القليلة من هؤلاء الناجين الذين بقوا على قيد الحياة.

كما أننا قررنا زيادة معاشات ضمان الدخل ومعاشات الشيخوخة. إنني أدعم فكرة تشجيع المواطنين على الخروج للعمل.. ولكن هل يجوز خفض معاشات مسنّين يعجزون عن العمل والحكم عليهم بحياة من الذل والمهانة والفقر والمَسْكنة التي ليس لها ما يبررها..

كما أننا أحدثنا تغييراً دراماتيكياً في أولويات السياسة الاجتماعية لتوفر فرص الاندماج وتضمن تكافؤ الفرص من خلال تعديل خطة ويسكونسين [لإعادة تأهيل العاطلين عن العمل] واعتماد نظام ما يُعرف ب"ضريبة الدخل السلبية" الذي يحفّز المواطنين على البحث عن العمل دون التغاضي عن حقيقة خروج بعضهم إلى العمل الذي لا يمنحهم ولو الحد الأدنى من الأجور.. وبالتالي لا نمتدح أنفسنا لوجود نسبة مشاركة عالية في سوق العمل بل نعتمد آلية تستطيع دعم أولئك المواطنين وتحفيزهم على العمل مع تعويضهم لتمكنهم الرواتب التي يتقاضونها من العيش الكريم.

وكان قرار الحكومة الإقدام على وضع إطار شامل للروابط بين القطاعات المختلفة في إسرائيل بمثابة قرار إستراتيجي يأتي أيضاً ضمن عقيدة متكاملة. إنه يرسي الأسس لشراكة مختلفة عن ذي قبل ويعكس الفرق بين الخدمات الجوهرية الواقعة بأكملها في دائرة اختصاص الحكومة والخدمات الأخرى التي تؤدي فيها الحكومة دور المعاون كونها تدفع هذه الخدمات وتحض على زيادة فعاليتها وتدعمها دون أن تكون بالضرورة المسؤولة مباشرةً عن توفير هذه الخدمات.

فيما يختص بالخدمات الجوهرية فقد دعونا القطاع الثالث إلى المشاركة في إجراءات صنع القرارات وطرح المعلومات الكثيرة المتراكمة لديه على جدول أعمال المداولات. كما أننا عملنا على تكثيف ضلوع هذا القطاع في تشغيل الخدمات الاجتماعية المموَّلة حكومياً بالاستناد إلى أفضلياته النسبية على هذا الصعيد.

إننا نعتقد على سبيل المثال بأنه يجب وضع هدف تحقيق النمو بالتوازي مع تقليص الفجوات الاجتماعية. وعلى فكرة ، أيها السادة ، فإن وزارة المالية – التي صارت هدفاً مستساغاً للحملات التي تصفها بعدو الغايات الاجتماعية.. أقدمت من تلقاء نفسها على عرض الهدف الرئيسي لمشروع الميزانية القومية لعام 2009 متمثلاً بتحقيق النمو مع تقليص الفجوات الاجتماعية ، بحيث سيكون مشروع هذه الميزانية أول مشروع يحدد هدفاً كهذا.

غير أن الحكومة ملزَمة بقصر غالبية الدعم على الشرائح الفقيرة التي تحتاج إليه حقيقة. ويسمح هذا التركيز بزيادة رقعة هذا الدعم لكن الخوف الكبير هو أن الكثير من المحتاجين ليسوا على وعي بحقوقهم مما يؤكد أهمية وجود آليات لاستيفاء هذه الحقوق. وفي حالة كهذه فإن إتاحة الفرصة السهلة للحصول على الدعم الحكومي الممنوح للسكان الذين يواجهون حالة الضائقة هي بمنزلة خدمة جوهرية تتحمل الحكومة المسؤولية عنها. ولكن هل تتناقص مسؤولية الحكومة إذا ما أهابت بكل الطرق الممكنة بعناصر المجتمع المدني العمل على زيادة وعي الشرائح الضعيفة بحقوقها؟ أعتقد بأن هذا المجال يمنح الفرصة الجيدة للتعاون بين القطاع الثالث بمعنى منظمات المجتمع المدني وبين الحكومة من خلال الدمج بالشكل الصحيح بين مجالات اختصاص كل منهما.

كما أنني أرى أن الحاجة تقتضي تعاوناً مغايراً عندما نتجاوز مجال الخدمات الجوهرية حيث يُطلب من الحكومة عندها السماح بتسيير الأمور من خلال اعتماد سياسة ضريبية تكافئ مقدمي الخدمات وإنشاء الآليات وترسيخ البنى التحتية المتوفرة (في مجال المعلومات مثلاً). بمعنى آخر فإن هذا المجال يستوجب خلق إطار النجاح وشروطه.

إن التحدي الأكبر الذي تحدثتم عنه خلال هذا المؤتمر يخص منطقة التماسّ بمعنى الإجراءات التي ترغب الحكومة في تشجيعها لكنها لا تقع دوماً في جوهر مسؤولياتها. هنا تقتضي الحاجة شراكة تنطلق – كما أسلفت – من رسم الحدود الفاصلة بدقة. إذ حدث غير مرة أن المتبرعين والجمعيات الخيرية يبدون استعدادهم لتحمل نفقات مشاريع معينة لفترة محددة على أن تواصل الحكومة فيما بعد تحمل هذه النفقات. ولا يُخفى على أحد أن الوزارات لا تستطيع مقاومة هذا الإغراء عندما يجري الحديث عن مبالغ كبيرة. أود الإشارة إلى أنني استمعت إلى كلام البروفيسور دوف غولدبرغير الذي عمل فترةً في القطاع الأول [الحكومي] كونه تولى منصب مدير عام وزارة الرفاه. وتعليقاً على هذا الكلام أريد التأكيد أن المشكلة لا تكمن في تنافس الحكومة كما يقال مع متبرعين محتملين بالتزامن مع دعمها لمشاريع أخرى. لا أعتقد بأن الأمور تجري هكذا بل إن المشكلة بسيطة . دعونا نقول الحقيقة: لا توجد أي جهة خاصة قادرة على منافسة الحكومة من حيث الموارد التي تمتلكها. وبالتالي تنحصر المشكلة في إقامة التوازن الصحيح: لأن مزية صاحب المبادرات الخاصة مردّها طرحه عل الحكومة أفكار مغرية مطالباً إياها بتمويل 70% من النفقات المترتبة على تطبيق هذه الأفكار بينما يتحمل هو النسبة الباقية. وفي حالة كهذه تجد الحكومة نفسها قائلةً إن هذه الخدمة هامة وإذا لم تقدمها الآن فقد تقتضي الحاجة مستقبلاً أن تقدمها ، والآن أصبح لديها شريك – رغم أنه لا يشارك إلا بنسبة ضئيلة من إجمالي كلفة هذه الخدمة – مما يمكّنها من تقديم هذه الخدمة التي لم تكن موجودة أصلاً. وبالتالي يصبح المشروع المقترح أكثر وروداًَ من وجهة نظر الحكومة أيضاً التي تعتمده بشرط أن هذه الإغراء لن يربك مجمل الأولويات الصحيحة وفق منظور وطني شامل التي يجب على الحكومة توظيف مواردها فيها ، وذلك تفادياً لحالة قد تحدث – لا قدّر الله – إذا ما تم الاستثمار في مجال لم تكن هناك حاجة إليه وفق المعايير الموضوعية والصحيحة والمتوازنة للاستثمار الحكومي.. لأن حالة كهذه قد تحول دون استثمار الأموال الحكومية في مشروع آخر قد يحتاج أكثر إلى هذه الأموال. لذا من الأهمية بمكان أن تعرف الحكومة كيفية رسم الحدود واتخاذ القرارات بشأن مسؤوليتها عن مشاريع متعددة السنوات وتمويلها ليس على حساب مشاريع أخرى لا تقل عنها أهمية. ويعني ذلك أنه يتعين على الحكومة إذا ما توصلت إلى استنتاج بأن المشروع السابق الذكر لا يقع في دائرة مسؤولياتها أن تستطيع من خلال التعاون والحوار أن تبلغ القطاع الثالث بأنها لن تستثمر فيه لأنها سترتكب بذلك خطأ يخل بالتوازن المعقد والدقيق لمسؤولياتها الكاملة بالنظر إلى وجود مشاريع أخرى أكثر أهمية لديها ، وأن القطاع الثالث يمكنه بالتالي النهوض بهذا المشروع بنفسه – مما يجعله موضع تقدير وشكر. خلاصة القول: إن هذا الأمر [رغبة القطاع الثالث في إطلاق مشروع معين بشرط دعم الحكومة له] ينطوي على مزايا كبيرة تارةً لكنه يثني الحكومة أطواراً أخرى عن مسار الأولويات الصحيحة.

إنني أعي حقيقة أن الوزارات لا تملك دوماً سياسة واضحة المعالم وأولويات محددة غير أنه يجب رسم الحدود. إننا أقدمنا على ذلك فعلاً في عدة مجالات ومنها وضع برنامج التعامل مع الأطفال الصغار والشبان المعرَّضين للخطر حيث حددنا الأولويات والموارد ثم رصدنا الأموال كجزء من عملية رسم الحدود الفاصلة.

كما يجب أن نتذكر ونذكّر بأن الشراكة لا تعني التنازل عن الصلاحيات والمسؤوليات الحكومية. إن رسم سياسة الحكومة هو من اختصاص الحكومة. يمكنها – ويجب عليها – أن تقوم بذلك بالتعاون مع الجهات ذات الشأن ، وباستطاعتها أن تضع أطراً للتفكير والبحث ضمن "مائدة مستديرة" (أفترض أن نقوم بذلك خلال العام المقبل تجسيداً لعقيدة مشروع "شراكات") ، غير أن المسؤولية تقع عليها في نهاية المطاف.

سيداتي وسادتي ، لقد انطلقنا إلى طريق جديد يتحدانا وإياكم. إذ سيتم خلال الشهر القادم عقد أول ندوة للمائدة المستديرة المشتركة حيث أحضُره أيضاً من منطلق إدراك حقيقة أن أحد التحديات الأكبر التي تواجهنا – كدولة – يتمثل بعالم الشراكات بين القطاعات الثلاثة المنوَّه بها. وما من شك في أن الأدوات البيروقراطية القائمة حالياً يجب أن يطرأ عليها تغيير ليتسنى تحقيق هذا الأمر. غير أن الأمر ليس سهلاً – فالقول أسهل من العمل – غير أننا لا نواجه أي خيار آخر إذ يترتب علينا بذل جهود جبارة لتغيير دينامية المنظومة البيروقراطية الحكومية إذا ما رغبنا حقاً في إحداث تغيير في صيغ أداء الحكومة أو أنماط تعاونها مع جهات غير حكومية.

إننا نرى ثلاثة محاور لمواصلة سياسة الحكومة في هذا المجال:

• المحور الأول: محور التبرّع. إننا نناقش في هذه الأيام احتمال قوننة منزلة الجمعيات والصناديق الخيرية العاملة في إسرائيل على اعتبار ذلك وسيلة تتيح زيادة احتراف أداء المجتمع المدني وتشجيع التبرعات المحلية. أظن بأن الحاجة تتطلب عمل المزيد منا جميعاً (وأدعوكم لتشجيع الناس على عمل المزيد) لخلق البيئة الداعمة للاستثمارات الاجتماعية ، ذلك لأنني أرى أن هناك طاقات كامنة في المجتمع الإسرائيلي نفسه يجب استنفادها قبل اللجوء إلى جهات وشخصيات خارجية على اعتبار أنها – ورغم أنها تناشد الخير للمجتمع الإسرائيلي من بعيد – ليست جزءاً من نسيج حياتنا اليومية. ثمة قدرات تكمن لدى المجتمع الإسرائيلي يجب أن تتمثل بصورة ملحوظة أكثر بكثير مما هي حالياً من حيث وفائها باحتياجات المجتمع الإسرائيلي.

• المحور الثاني: محور المبادرات الاجتماعية. إن دولة إسرائيل لا تنعم بوجود مبادرين من الطراز الأول في مجالات التقنية العالية وحدها بل أيضاً بوجود مبادرين اجتماعيين من الطراز نفسه. وبالتالي فكما أننا نشجع إجراءات الأبحاث والتطوير في مجال الأعمال يتعين علينا تشجيعها في المجال الاجتماعي.

• أما المحور الثالث فهو محور التطوّع. لعلكم تعلمون – كما أسلفت -  بأن نسبة التطوع في القطاع الثالث في إسرائيل تتدنى عن معدلاتها في الدول التي نتخذها قدوة لنا من حيث مستوى العطاء والمساهمة. وينبغي لنا توليد الدينامية والمناخ الاجتماعي القومي الذي يشجع على تكثيف التطوع حيث إنني أرى وجود طاقات محتملة بالنظر إلى وجود شخصيات رائدة قد تُلهم الأمر وتدفعه ، ولذلك علينا أن نعمل كل ما في وسعنا لتحقيق هذه الغاية علماً أن الشعب الإسرائيلي لهو في صميمه شعب متطوع وشعب يسخّر طاقاته وقدراته للغايات السامية وشعب مقاتل وشعب يلبي النداءات برفع الرايات.

سيداتي وسادتي ، إن الحاجة تقتضي تكاتف عمل القطاعات الثلاثة بصورة متكاملة مدروسة بعناية. إن الحكومة تدعم القطاع الثالث بمليارات الشواقل سنوياً لكن المشكلة لا تكمن في الميزانيات. إن الشراكة  تتطلب التعامل بجرأة مع التخوفات وحالات غياب اليقين وخاصةً مع ضرورة تغيير أنماط التفكير واعتماد أساليب غير روتينية تختلف عن النهج الذي سِرنا عليه حتى الآن. علينا أن نشبك أيدينا استعداداً للعمل بصورة تدل على الاكتراث والحساسية لما يدور حولنا لنصبّ في هذه الشراكة تلك العناصر التي تسمح لنا في نهاية المطاف بإنجاز الأهداف الاجتماعية التي نصبو إليها.

.. أود اغتنام هذه الفرصة لأقول لكم إن هذه الحكومة – التي أتشرف وأملك الحق في رئاستها – مشغولة كثيراً في القضايا الأمنية وفي تقديم الحلول للتهديدات الخطيرة التي تزعج أبناء الشعب سواء من قريب أو من بعيد ، بالإضافة إلى اهتمامها بالمفاوضات السياسية بصورة ربما لم تسبقها إليها أي حكومة سابقة – سواء مع سوريا أو مع الفلسطينيين ولعل – بعونه تعالى – مع جهات أخرى أيضاً ، غير أن الحكومة لا تنسى للحظة واجبها بتنمية جهاز تربوي وتعليمي متفوق وتكريس وعي اجتماعي يختلف عما هو عليه حالياً وتشجيع نوع جديد من المساهمة والاكتراث والحساسية الإنسانية التي ستعيد إلى المجتمع الإسرائيلي ما كان قد تحلى به في الماضي عندما كان صغيراً و"عائلياً" بمعنى التضامن الذي يشكل عامل قوة وبنيان وأمل.

أشكركم جزيل الشكر.

للطبع أرسل الى صديق
  ملفات للتنزيل
   كلمة رئيس الوزراء حول الروابط بين القطاعات المختلفة في إسرائيل ضمن أعمال مؤتمر "الشراكات"
 
شارع كابلان 3 مجمع الدوائر الحكومية القدس 91950
جميع الحقوق محفوظة © 2012 دولة اسرائيل