الصفحة الرئيسيّة
      ابحث   بحث متقدّم
  עברית   |   English
 
مراجعات الجمهور
ردود فعل واقتراحات
الصفحة الرئيسية  أرشيف  خطابات  2008  تشرين الثاني  ‏كلمة رئيس الوزراء خلال حفل إحياء الذكرى الثالثة عشرة لاغتيال رئيس الوزراء الراحل يتسحاق رابين في مقبرة جبل هرتصل
‏كلمة رئيس الوزراء خلال حفل إحياء الذكرى الثالثة عشرة لاغتيال رئيس الوزراء الراحل يتسحاق رابين في مقبرة جبل هرتصل

10/11/2008

فخامة رئيس الدولة شمعون بيرس ،
أعضاء عائلة رابين الغالية ،
السيد توني بلير موفد الرباعية الدولية إلى الشرق الأوسط ،
السيدة رئيسة الكنيست داليا إيتسيك ،
سماحة القاضية دوريت بينيش رئيسة المحكمة العليا ،
أعضاء الحكومة ونواب الكنيست ،
رئيس الأركان الجنرال غابي أشكنازي ،
مفتش الشرطة العام الجنرال دودي كوهين ،
رئيس الوكالة اليهودية السيد زئيف بييلسكي ،
رئيس بلدية أورشليم القدس السيد أوري لوبوليانسكي ،
ممثلو السلك الدبلوماسي الأكارم ،
أيها السيدات والسادة ،

لقد أصبح هذا اليوم الخريفي الموافق الثاني عشر من شهر مار حشفان حسب التقويم العبري قبل ثلاثة عشر عاماً محفوراً إلى الأبد في الذاكرة بصفته أحد أحلك الأيام في تأريخ الشعب اليهودي. ومثلما صار اغتيال غدالياهو بن أحيكام على أيدي أحد مواطنيه قبل نحو 2600 عاماً ذكرى سنوية تحتم الصيام على مر الأجيال ، هكذا سيكون عليه الأمر بالنسبة لاغتيال يتسحاق رابين.

إن الشعب في إسرائيل سيحزن إلى الأبد على فقدان واحد من خيرة أبنائه وزعمائه ، رجل كرس حياته للنضال من أجل النهضة الوطنية وتعاظم القوة العسكرية لدولة إسرائيل والدفاع عنها وضمان أمنها وسلامتها.

ولا يمكن التسليم بمجرد التفكير في إقدام أحد السفلة الأنذال الحقيرين من أبناء شعبنا على مد يده القاتلة لتطال رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير دفاعها ، ذلك القائد العسكري الفذ محرر أورشليم القدس في حرب الأيام الستة ؛ كما يستحيل القبول بحقيقة استشهاد ذلك السياسي الشجاع الذي عقد السلام مع المملكة الأردنية الهاشمية شرقاً وسعى دون كلل لشق طرق التوصل إلى اتفاقيات سياسية مع جيراننا الفلسطينيين ومع سوريا شمالاً من جراء تعرضه لثلاث رصاصات غادرة في ظهره المكشوف.

أما الآن ، وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً على ذلك اليوم المشؤوم ، تحدوني الرغبة في قول عدة كلمات لا تدور حول ما جرى في الماضي بل حول ما سيجري مستقبلاً. أيها المشيدون بذكرى الراحل يتسحاق رابين ومحبّوه ، إنني أستميحكم عذراً لانحرافي عن صيغة الخطابات الروتينية لكي أتطرق إلى بعض النقاط جد المؤلمة التي تمسّ جوهر حياتنا ومستقبلنا في هذه البلاد.

إننا نشهد منذ سنوات كثيرة الجدل المتصاعد والمتغلغل عميقاً حول ما يصح القيام به هنا في بلادنا. ومنذ اغتيال [المرحوم رابين] لم تخفّ شدة الجدل بل ازدادت حدة ، ولم تُطمس النقاط الخلافية بل أصبحت أكثر حدة وعمقاً وحسماً.

غير أننا ، وكلما اقتربنا من لحظة الحسم ، أصبحنا نرفض مواجهة الحقيقة كما هي بل نفضل تحويل نظرنا والتهرب من ضرورة الحسم مهما كانت مؤلمة ومعذبة.

كما أن يتسحاق رابين نفسه لم يتلهف للوصول إلى لحظة الحسم هذه. إننا لن نُنصف ذكراه وحصيلة أدائه إذا ما حاولنا تصوير سنواته الأخيرة على أنها فترة عاشها دون أن تساوره الريبة والشكوك.

إنه تعذب قبل اتفاق أوسلو وشعر بحيرة من أمر الاتفاق لا بل إن الشكوك ظلت تملأ قلبه فيما بعد الاتفاق أيضاً. لم تكن الحاجة تستدعي الحديث إليه في الدائرة الحميمية التي تقتصر دوماً على عدد قليل من الناس الذين يُسِرّ إليهم رئيس الوزراء بأحاسيسه الأشد تكتماً ، لكي تعْلَم كم كان الواقع المعيش الذي تصوَّره [رابين] معقداً وحافلاً بالمضاعفات. إنه تحدث بنفسه عن هذا الأمر في لغته التي كانت خشنة تارةً وسافرة أطواراً لكنها حافظت دوماً على طابعها المباشر والحقيقي.

ولهذا السبب بالذات فإن المسار الذي رسمه كان شديد الجسارة والتأثير. إنه لم يقرر السير قدماً انطلاقاً من الأوهام والآمال الكاذبة. إنه أدرك ما بات عدد متزايد من الأشخاص يوافق عليه من باب الحذر ومعرفة المخاطر والصعوبات ، بمعنى أنه يتعين علينا – إذا ما عقدنا العزم على صيانة دولة إسرائيل بصفتها دولة يهودية وديمقراطية – أن نتنازل ، بغياب أي خيار آخر ووسط مشاعر العذاب الأليم ، عن بعض أجزاء الوطن التي طالما كنا نتوق إليها على مر الأجيال بالأشواق والدعوات ، بما في ذلك الأحياء العربية في أورشليم القدس ، لنعود إلى نواة الأرض التي قامت عليها دولة إسرائيل حتى عام 1967 مع أدنى حد ممكن من التعديلات التي يقتضيها الواقع الناشئ منذ ذلك حين ، ونرجع إلى الأراضي التي نعرفها في الجليل والنقب لنعمّرها ونستنفد الطاقات الهائلة الكامنة لدى هذا الشعب ونعيد إلهاب روح الإبداع والمبادرة وتنمية الحركة الصهيونية الجديدة  القائمة على الواقعية والنباهة والمسؤولية والجرأة.

من السهولة بمكان أن ترسم للشعب الإسرائيلي الصعوبات التي تنطوي عليها هذه الإجراءات والمخاطر الكامنة فيها كونها من البديهيات. إذ إن فترة  من السنين الطويلة ما زالت تنتظرنا إلى أن نصل إلى بر الأمان كما تطلع إلى ذلك المرحوم رابين أيضاً. لكن يجب علينا حسم الموضوع الآن ، دون تردد ، قبل أن يتغير الواقع الذي نواجهه تماماً وتتلاشى أمام ناظرَيْنا تلك النافذة الضيقة من الفرص المتوفرة لتثبيت صيغة الحل في وعي شعبنا وشعوب المعمورة.

إن التمهل الذي ليس له ما يبرره في صنع القرار من شأنه أن يغير التوازن الحساس للنظام الدولي الذي ما زال متمسكاً في هذه المرحلة بفكرة الدولتين لشعبين اللتين تتمتع كل منهما بحدود مرسومة متفق عليها والتي تنال اعترافاً دولياً رسمياً. ولكن إذا ما تلكأنا لا سمح الله فإننا قد نخسر التأييد لفكرة الدولتين. أما البديل – فيُستحسن عدم الخوض في تفاصيله إذ يدركه القاصي والداني. وقد يستقر نظام حكم جديد في الأراضي الفلسطينية سيعتمد التشدد ولن يكون شريكاً قابلاً للتفاوض. وعندها ستهدر إسرائيل فرصة تسنح حالياً لتطرح على العالم أجمع فكرة الدولتين كحقيقة أساسية وبالتالي ضمان الاعتراف بحدودها كدولة يهودية ونيل دعم المؤسسات الدولية برمتها.

إن هذا الحسم ليس يسيراً لكنه حيوي. لقد اتجه المرحوم رابين نحو ذلك مهما كان متردداً ومرتبكاً ، متحركاً بدافع الوعي الباطني العميق بأن لا بديل عنه. إنه لم يقم بصياغة هذا الكلام كما كان بالطبع سيقوله اليوم.

وبالتالي ، وعندما أقف هنا مطرقاً أمام قبره ، لا أملك إلا أن أقول ما أعتقد بأنه كان سيقوله اليوم لولا سقط في القتال.

إنني أعلم بأنه يوجد عدد غير قليل من الناس الذين ينظرون إليّ الآن ويفكرون في سريرتهم بأن الأقدار قد شاءت أن يقفوا محلّي في هذا المكان ويقولوا كلمتهم كرئيس للوزراء ، وبالفعل سيقرر الجمهور الإسرائيلي بعد فترة قصيرة مَن سيكون هذا الشخص. إنني لن أعود لأقف هنا في هذا المشهد وبحكم هذا المنصب ، ولذا لا أجد مبرراً أو داعياً في الوقوف في هذه اللحظة بالذات بجوار هذه التُربة الصغيرة والخاصة التي يتقاسمها المرحوم يتسحاق رابين مع عقيلته ليئا طيّب الله ذكراهما – إلا إذا تحدثت عما يحتاج إليه الشعب في حقيقة الأمر لا ما يريد أن يسمعه ، كما قال في حينه أول رؤساء حكوماتنا وأعظمهم دافيد بن غوريون.

إن لحظة الحقيقة قد حانت ولا مهرب منها. قد يتم تفويتها أو تأجيلها بثمن باهظ لسنوات طوال تُسفك فيها الدماء ونتعذب فيها جميعاً بآلام ستقضّ مضاجع كثيرين منّا. لكن يجب مواجهة هذه اللحظة بالنزاهة والرأس المرفوع والمسؤولية.

قد نكثر في الكلام لإحياء ذكرى المرحوم يتسحاق رابين وسرد تراثه واستحضار شخصيته المميزة ، لكن يستحيل احترام ذكراه دون قول هذه الحقيقة التي كان يقول بها في حياته والتي أصبحت الحقيقة المأساوية بمماته.

إنني عاهدت نفسي على احترام ذكرى هذا الزعيم من خلال قول الكلام الوحيد الذي يعطي مغزى لاغتياله مهما باعدت بيننا السنوات. إن الرصاصات التي اغتالت رابين لما كان باستطاعتها وقف المسيرة التأريخية التي قادها. إن رابين سينتصر حتى بعد موته وكل مَن سيتبعه سيحترم ذكراه بأفعاله وقراراته الحاسمة والجرأة على قول الحقيقة.

للطبع أرسل الى صديق
  ملفات للتنزيل
   ‏كلمة رئيس الوزراء خلال حفل إحياء الذكرى الثالثة عشرة لاغتيال رئيس الوزراء الراحل يتسحاق رابين في مقبرة جبل هرتصل
 
شارع كابلان 3 مجمع الدوائر الحكومية القدس 91950
جميع الحقوق محفوظة © 2012 دولة اسرائيل