| رئيس الحكومة |
|
| | | حكومة اسرائيل |
|
| | | سكرتارية الحكومة |
|
| | | مكتب رئيس الحكومة |
|
| | | اتّصالات |
|
| | | مراجعات الجمهور |
|
| | | أرشيف |
|
| |  |
|
| |
|
|
|
|
|
|
 |
كلمة رئيس الوزراء خلال حفل تدشين كتاب "مثل الصخرة الصامدة" عن سيرة رئيس الوزراء الأسبق يتسحاق شامير |
|
|
|
|
|
|
|
|
السيدة رئيسة الكنيست داليا إيتسيك ، معالي وزير الدفاع إيهود باراك ، رئيس المعارضة بنيامين نتانياهو ، السيدة شولاميت شامير [عقيلة يتسحاق شامير] وأبناء عائلة شامير ، ممثلو معهد جابوتينسكي وصحيفة يديعوت أحرونوت ، أعضاء الحكومة ونواب الكنيست ، أيها أصدقاء يتسحاق شامير والمعجبين به ،
لقد ترددت حول ما إذا كنت سأسير في أعقاب مَن سبقني وأخطّ كلمتي لكني قررت عدم القيام بذلك لأنني قد كتبت ما كان لديّ في الكتاب نفسه وكررته عند الاحتفال بعيد ميلاد يتسحاق شامير ال-85. لذا أودّ الحديث عن عدة أمور شخصية ترتبط بيتسحاق شامير على ما أذكر. غير أنني أخشى أن يكون كلامي – مهما كان قصيراً – مخالفاً لأدبيات الخطابات السياسية المتّبعة ، إذ أقول إن هذه الأمسية لا تهدف بالفعل إلى مناقشة مواقف يتسحاق شامير وتراثه وسياساته ، وإنني لن أشذ عن هذه القاعدة ، بيد أنني أعتقد بأنني أنصف الحقيقة لو قلت اليوم ، حيث نطّلع على الأمور بأثر رجعي ، إننا ربما (وأنا شخصياً غير مستثنى من هذه المقولة) لم نحسب حساب الأمور بمقاييسها الصحيحة ، ولعل ثمة مجالاً لتطبيق هذه الرؤية على مواقف أخرى أيضاً.
إنني أقول هذا الكلام الآن لأنني أتساءل عما إذا كان يتسحاق [شامير] – لو كان بمقدورنا مخاطبته الآن وسؤاله عن السياسة الصحيحة الواجب اتباعها الآن – سيدلي بالفعل بالكلام الذي نفترض بداهةً أنه كان سيقوله حول استمرار سير الأمور بنفس الاتجاه. بالطبع لا يخص هذا الكلام ما كان [شامير] يشعر به من التزام عميق لا يحتمل الجدل بشأن أرض إسرائيل. غير أنه – وقد سُقت هذا الكلام في المقال الذي وضعته [في الكتاب الجديد عن شامير] – كان يقول أيضاً إنه يهودي يتخذ مواقف عملية أكثر مما كان يُعتقد ، وإنني أرى بالفعل أنه كان كذلك بخلاف ما نميل إلى الاعتقاد حوله من منظور تأريخي قصير الأمد.
أعتقد بأن يتسحاق شامير – لو سُئل حالياً – ربما كان سيقول كلاماً لا يتطابق تماماً مع الكلام الذي كان بعض الحاضرين هنا يرغب في سماعه ولا يوافق المعتقدات التي ما زال هؤلاء يتمسكون بها. إن شامير تشبث حينها ، في الواقع الذي ساد آنذاك ، بهذه المعتقدات لكنه كان يتحلى بقدر كافٍ من النباهة والحنكة ليعلم أن الواقع يتغير ، مما يحتم النظر إلى الأمور من زوايا قد تفاجئك عندما تفكر عما كنت قد قلته أو عملته وكافحت من أجله طيلة جزء كبير من مجمل نشاطاتك ورسالتك السياسية.
تعود بي الذاكرة إلى مساء أحد أيام السبت الذي أفترض أن يذكره معظم الحاضرين أيضاً. إذ وقع آنذاك اعتداء مروع على كنيس يهودي في إسطنبول. وقد تمكن عدد من المراسلين من الوصول بسرعة إلى مكان الحادث وقابل أحدهم يهودياً مسنّاً كان يقف خارج الكنيس ، وكان المشهد فظيعاً حيث جرت الدماء المسفوكة على الشارع قبالة الكنيس وكان اليهودي المذكور يرتجف. إنه كان داخل الكنيس وكان من الناجين الذين تمكنوا بطريقة أو بأخرى من الخروج سالمين فيما قُتل عدد غير قليل من اليهود الآخرين في ذلك الاعتداء. وقد سأله المراسل المشار إليه: "ألا تشعر بخوف؟" فأجاب عليه: "لا" ، ثم سأله: "كيف لا؟ ألم يحصل حادث مريع؟ ، فعندها أجاب عليه ذلك اليهودي قائلاً: "لأن هناك دولة إسرائيل". إنني أتذكر كيف كنت جالساً أمام التلفاز ويقشعر بدني لسماع هذه المقولة الغاية من البساطة والعميقة وشديدة المغزى التي قالها ذلك اليهودي بصوته المرتعش. ولم تمضِ إلا دقيقتان ورن الهاتف وكان يتسحاق شامير على الخط (علماً بأنه لم تكن في تلك الفترة سكرتيرات يعملن على مدار الساعة في ديوان رئاسة الوزراء ، وكان شامير يتصل بنفسه ، وكان لديه دفتر شبيه بدفاتر الحساب لطلاب الصف الأول حيث كان يسجل فيه أرقام الهواتف التي كان ينوي إجراءها ، لا بل إنه كان يحفظ عن ظهر قلب عدداً من الأرقام التي كثيراً ما كان يستخدمها..) ، وإذا بي أسمعه يقول: "إيهود ، هل شاهدت؟" ، وفهمت حالاً أنه يقصد ما أشرت إليه وقلته له: "نعم ، شاهدت" ، فمضى يقول: "هكذا كان أبي يتحدث" ، فسألته: "متى؟" ، فقال لي: "عندما أصبح واضحاً أنهم [يقصد النازيون خلال الحرب العالمية الثانية] يعتزمون القضاء علينا جميعاً ، عندها قال [أبي]: لدي ابن في أرض إسرائيل وإنه سينتقم منكم". وقد كان شيء ما في ذلك الانفعال الشديد الذي ساد هذا الكلام وفي تلقائية وعفوية رد الفعل الصادر عنه فور هذا البث المتلفز الذي مثّل يتسحاق شامير بصورة أكثر عمقاً وأصالةً من حيث ما كان يعتقد به ويكافح من أجله ويعتبره رسالة حياته.
لقد حضرت مناسبات سياسية كثيرة مع يتسحاق شامير. أتذكر كيف اتفق لي أن حضرت – في ظروف لا أذكرها تحديداً ، لكن أعتقد بأن الاجتماع عُقد في مكتبه في البلاد حيث عقد جلسة عمل مع وزير الخارجية الأميركي آنذاك جيمس بيكر. وقد رفع بيكر صوته في وجهه ، وعندها قام شامير وخبط الطاولة مثلما كان يعرف أن يخبط خبطة قوية ولوَّح إليه بأصبعه وقال له: "يا سيدي ، لا تكلمني هكذا! إنك تتحدث مع رئيس حكومة إسرائيل ، فلا تَصِح فيّ ، سمعت؟ وقد صُعق جيمس بيكر تماماً.. لكن القصة لم تنته بعد ، إذ قام بيكر فيما بعد ، أي بعد انتهاء ولايته وزيراً للخارجية الأميركية بعد خسارة جورج بوش الأب في الانتخابات ، بعدة زيارات للبلاد حيث نشأ بيننا لسبب ما نوع من العلاقة القريبة ، وقد درج بيكر على الاتصال بي وطلب الاجتماع معي وكنا نتحادث ، وقد قال لي ذات مرة: "إسمع ، كيف أحوال يتسحاق شامير؟ إنني ذاهب لمقابلته" ، فقلت له: "إنه كما كان عليه دوماً" ، فقال لي: "إنه [أي شامير] من الرجال محل إعجابي في العالم كله ، إنني لم أعجب قط بأي رجل مثلما أعجبت به". وقد فاجأني هذا الكلام فقلت له: "لكنني أتذكر عدة مناقشات لم تعكس صداقة شخصية عميقة بينكما ، فماذا حصل يا ترى؟" ، فعندها قال لي بيكر أمرين: "أولاً" – هكذا قال – "أنظر ، في آخر مرة حيث حضرت إلى هنا ودخلت مكتب شامير الذي لم يعُد حينها رئيساً للحكومة ، وبمجرد دخولي أُبلغت بأن هناك اتصالاً هاتفياً ضرورياً ينتظرني ، وعندما رفعت السماعة أبلغوني بوفاة والدتي ، وكان عمرها آنذاك 94 عاماً ، وبالتالي أيقنت أنه يستحيل علي مقابلة شامير ، لكنني دخلت غرفته وقلت له: أيها السيد شامير ، أعتذر لك ولكن أُبلغت قبل لحظات أن والدتي قد توفيت ويتعين علي المغادرة ويؤسفني عدم إمكان عقد اللقاء معك" ، ثم أضاف بيكر قائلاً هكذا: "وقد أسرعت في المغادرة وعدت جواً لحضور جنازة والدتي ، ثم بعد ذلك بشهر جاءتني رسالة مرفقة بوثيقة كبيرة للصندوق القومي اليهودي وجاء فيها أن يتسحاق شامير قد غرس 94 شجرة في أحراش أورشليم القدس على اسم والدتي الراحلة" ، وعندها مضى بيكر قائلاً: "هل تفهم ذلك؟ إن يتسحاق شامير قد غرس 94 شجرة لإحياء ذكرى والدتي في جبال أورشليم القدس". وهكذا فجأة تكشّف وجه جديد في صورة جيمس بيكر ذلك الرجل الفاتر والعملي والمتعقل ينم عن حقيقة ما تعني بالنسبة له أورشليم القدس وجبالها ، لكن ما يسترعي الانتباه هو أن هذه المعاملة الشخصية من قبل يتسحاق شامير قد مسّت قلب جيمس بيكر مما جعل عينيه تدمعان عندما سرد لي هذه الحكاية. ثم قال لي بيكر شيئاً آخر: "أنظر ، لقد جرت بيننا الكثير من المجادلات ، وكلما حضرت إلى البلاد كان أريئيل شارون يقيم مستوطنة أخرى وكان [الرئيس الأسبق] بوش ينفجر غضباً مثلما كنت أستشيط غضباً بنفسي ، وكنت أخبط الطاولة وأصيح وأتشاجر معه وما إلى ذلك ، لكنه [أي شامير] لم يخدعني قط بل كان يقول لي دوماً حقيقة ما يقوم به وما يفكر فيه وما يعتزم فعله وكيف ينوي العمل ، ولذا كنت دوماً على إلمام بموقفي منه ، وإنني بالفعل لم أقابل في حياتي إلا أناساً قلائل تحلوا بمثل هذه العزيمة والمعاملة المباشرة". أعتقد بأنه غني عن التفسير – بالنسبة للحاضرين هنا – كم كان كلام جيمس بيكر المشار إليه دقيقاً..
إن يتسحاق شامير – والكل يُجمع على ذلك – كان رجلاً من طراز آخر وكان يمارس أنماطاً لم تعد تصلح للأنماط السائدة حالياً في السياسة وهو أمر لا خلاف عليه. كان يتسحاق شامير بادئ ذي بدء رجلاً يكثر من المطالعة رغم أنه ما كان سيتحدث كثيراً عن هذا الأمر ، لكنه حاورني عدة مرات قائلاً: "ماذا يا ترى كنت أفعله عندما توليت منصب رئيس الكنيست؟ فقد أدركني الملل حتى الموت تقريباً ، لكنني اغتنمت تلك المناسبة لأطالع الكثير من الكتب.. وعلى فكرة لم أكتف بالكتب العبرية". وبالفعل من يتذكر مستوى اللغة الإنكليزية لدى شامير في بداية مشواره وزيراً للخارجية ومدى التحسن الملحوظ الذي طرأ على هذا المستوى حيث إنه أصبح أكثر إتقاناً وفصاحة بالإنكليزية فيما بعد. ما أكبر الانضباط الداخلي الذاتي الذي كان يتحلى به هذا الرجل ، وما أكبر قدرته على التعلم في عمر يقال فيه إن المرء غير قادر على التعلم.
بودي الإشارة إلى نقطة أخرى. إذ يحضر هذا الملتقى عدد من وزراء الحكومة السابقين بالإضافة إلى رئيس الوزراء الحالي وربما عدد من رؤساء الوزراء القادمين ، حيث نعلم جميعاً أن أصعب مشكلة يواجهها رئيس الوزراء هو كيفية الإنصات وإرهاف السمع ، بمعنى كيف تمارس عملك دون السماح للأحداث الجارية بالاستحواذ على قدرتك على تكريس الوقت المطلوب للتفكير ملياً عما يجب القيام به تجنباً للغرق في هذا السباق المعقد – ولا تستدعي الحاجة خوض التفاصيل هنا – من الأحداث المتلاحقة. وكان [شامير] بنفسه يقول: "إن المسؤولية تقع في نهاية المطاف على عاتقك ، وهنا أصيب أحد وهناك أطلق آخر النار ، وهنا بدأ إضراب وهناك تفجر نزاع أو توجد ميزانية وغير ذلك كثيراً".
إن يتسحاق شامير كان ، حسبما أراه ، رئيساً للوزراء عرف كيفية الإنصات والإصغاء. إنه أصبح عرضة لانتقادات كثيرة بسبب أسلوبه لكنني أرى أنه تصرف بصورة ذكية لا يستطيع إلا من جلس على هذا المقعد [لرئاسة الوزراء] فهم كُنْهها. إنه كان يكرس وقتاً طويلاً للاختلاء بنفسه أو للجلوس مع أشخاص بلغت علاقاته معهم مستوى من الحميمية أهَّلهم للتفكير والتحليل المشترك. إنه اعتاد أيضاً كتابة الملاحظات التي استمع إليها في دفتر الحساب المدرسي المذكور آنفاً وكان يستخدم القلم الأزرق عادةً ويخطّ الكلمات بخط دائري الشكل. إنه كان يكتب هذا الكلام ، لا بل أتذكر كيف كان يصل في العديد من المناسبات الصباحية ومعه ورقة مليئة بالملاحظات التي سجلها حول مواضيع مختلفة سبق وفكر فيها وكان يريد الحديث عنها وتحليلها والاستماع إلى ردود فعل وملاحظات بشأنها.
لم يكن من الممكن قط إيجاد عنوان أفضل للكتاب الخاص بسيرة يتسحاق شامير من العنوان الذي اخترتموه. لا أعرف من المسؤول عن ذلك (إذا كان هذا الشخص هو يائير [شامير] نستطيع فهم سبق ذلك لأنه يعرف والده جيداً): إنه كان حقاً مثل الصخرة الصامدة. لقد شاهدته في عدد لا يحصى من المناسبات لكنه لم يفقد قط قوته الدفينة. إنه كان مصنوعاً من فولاذ ولم أر قط أي رجل آخر مثله سواء ممن سبقوه أو تبعوه. ليست المناسبة الحالية حفل وداع رغم طبيعتها ، ولكن يجوز أن نجمل الحديث بالحرف الواحد: لم يكن أحد يضاهيه ، لا بل يساورني الشك فيما إذا كان هناك من سيماثله مستقبلاً.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|