الصفحة الرئيسيّة
      ابحث   بحث متقدّم
    עברית     |     English
 
مراجعات الجمهور
ردود فعل واقتراحات
الصفحة الرئيسية  اتّصالات  خطابات رئيس الوزراء  كلمة رئيس الوزراء في سياق الجلسة التي عقدتها الكنيست لإحياء ذكرى نائب الوزير وعضو الكنيست المرحوم أبراهام رافيتس
كلمة رئيس الوزراء في سياق الجلسة التي عقدتها الكنيست لإحياء ذكرى نائب الوزير وعضو الكنيست المرحوم أبراهام رافيتس

25/05/2009

أيها السيد رئيس الكنيست والسادة النواب والسيدة رافيتس [أرملة المرحوم] وأبناء عائلة رافيتس والأصدقاء ،

كانت لدى الحاخام رافيتس ثلاثة أمور أحبها حباً جماً: محبة الشعب في إسرائيل ومحبة التوراة ومحبة أرض إسرائيل.

أستهلّ بمحبته للشعب في إسرائيل: كان أبراهام رافيتس عضواً في الكنيست على مدى 20 عاماً حيث تولى مناصب عديدة ومنها منصب نائب وزير في عدة وزارات ورئاسة لجنة المالية فضلاً عن نشاطه الدؤوب في كثير من لجان الكنيست الأخرى. وقد مكّنته المناصب التي أشغلها من التعبير عن شخصيته المتميزة ومحبته للشعب في إسرائيل التي تمثلت في جميع هذه المناصب. إنه اعتبر نفسه موفداً عن جمهور المواطنين الذي تتعدد احتياجاته. وقد كان حسن المزاج كما أنه كان يتحدث مع كل شخص بلغته سواء أكان من الخواص أو العوام ومن المتزمتين (الحريديم) أو العلمانيين ومن اليسار أو اليمين ومن العمال أو أساتذة الجامعات. إنه كان يعلم كيفية محاورة أي شخص بما يناسبه من منطلق نوع من الصداقة الرائعة. أعتقد بأنه كان يتفهم بشكل مميز مشاعر الطرف الآخر دون تخلّيه عن مواقفه. إذ كان المرحوم رافيتس حازماً ومهذباً في آن. إنه كان يعرف كيفية شق القلوب واستمالتها. وبفضل ما تحلى به من مزايا فريدة أصبح جسراً يصل اليهود العلمانيين باليهود المتشددين دينياً. وكانت هناك – وللأسف لا تزال – الكثير من النزاعات بين المتشددين والعلمانيين في بلادنا بحيث كان المرحوم أبراهام [رافيتس] على استعداد دائم للاستماع إلى الطرف الآخر وتفهّمه وانطلاقاً من هذا التفهّم التوصل إلى الحلول. ويمكن القول إجمالاً إنه تمتع بقدرة الإنصات الفريدة من نوعها لدرجة جعلته الشخص الأكثر إدراكاً لما يقوله ويريده غيره.

ثانياً – كان المرحوم رافيتس مربياً بكل جوارحه ، لا بل إنه كان مربياً قبل كل شيء آخر علماً بأنه انشغل في هذا الأمر منذ فترة كونه نشيطاً بارزاً في منح أطفال مخيمات القادمين الجدد التربية الدينية التوراتية ومن ثم إشغاله وظائف مختلفة بصفة رئيس لمعهد ديني يهودي. تعود بي الذاكرة تحديداً إلى قصة واحدة مميزة حول عمله عندما كان شاباً يافعاً على منح اليهود القادمين من اليمن التربية اليهودية. إنه حصل آنذاك على 5 ليرات (وكان هذا مبلغاً لا بأس به آنذاك لكن لا يمكن وصفه بطائل) ثم أخذ ينتقل بين الحوانيت والمحلات في تل أبيب بحثاً عن القلنسوات والهُدَّاب [خيوط تتدلى من بناطيل الرجال اليهود المتدينين يتم ارتداؤها عملاً بتعاليم التوراة] ثم تسلل إلى مخيم عين شيمر [قرية قرب الخضيرة] للقادمين الجدد ووزع القلنسوات والهدّاب هذه على الأطفال ، لكن تم إلقاء القبض عليه وعندها راجع قائد المخيم وقال له ما يلي: "لن ينفعك الأمر إذ إننا حاضرون هنا ونطالب بغرفة لندرّس هؤلاء الأطفال التوراة" ، وبالطبع مُنح الغرفة في أحد أجنحة المخيم.

وكان المرحوم رافيتس قد جُبل على حب التربية والتعليم مثلما جُبل على حب الوطن. إذ إنه كان قد روى في جلسة [عقدتها الكنيست] لإحياء ذكرى مضي 100 عام على ميلاد "يائير" [الاسم الحركي لأبراهام شتيرن قائد جماعة "المقاتلون من أجل حرية إسرائيل" أحد التنظيمات السرية اليهودية في فترة الانتداب البريطاني] عن الأسباب التي حدت به إلى الالتحاق بجماعة "المقاتلون من أجل حرية إسرائيل" ، بحيث أود الاستشهاد بكلامه كونه ذا مغزى أعمق من كل ما قيل هنا ولأنه من الأهمية بمكان الاستماع إليه في هذه المناسبة ، إذ قال: ".. لقد تعلمت في كتّاب يهودي يدعى (سيناء) في شارع (ميزراحي) في تل أبيب الصغيرة. وذات يوم من شهر شباط من عام 1946 خلال الدوام الدراسي العادي سمعت في غرفة الصف مع عدد من أصدقائي الشبان صوت إطلاق عدة عيارات نارية. وركضنا إلى الشارع عبر غرفة الدرج ووجدنا حالة من الفوضى العارمة. وسألت عدداً من الحاضرين عما جرى وأجاب جميعهم: إن الشرطة البريطانية قتلت لصاً وقاتلاً يهودياً. وعندها عُدت إلى الصف سألني أصدقائي عما سمعته في الشارع. غير أن الحاخام الذي كان أستاذنا أجهش بالبكاء قائلاً: يا أبراهام ، إن القتيل لم يكن قاتلاً أو لصاً بل كان بطلاً يهودياً فدائياً. وكان هذا الحاخام يدعى يتسحاق يديديا فرانكل الذي أصبح فيما بعد الحاخام الأكبر لتل أبيب.. وعند إدلائه بكلامه أطبق الصمت على جميع طلاب الصف حيث أصابهم الذهول ليسألوا الحاخام: كيف هذا؟ وعندها روى لنا الحاخام الأمور على حقيقتها مما جعلنا في حالة من الصدمة.. أما أنا [يقول النائب المرحوم رافيتس] فبدأت أفكر متأرجحاً بين مفاهيم (القاتل) و(البطل) و(التضحية) وصولاً إلى عدة استنتاجات ضربت عميقاً في قلبي وكوّنت شخصيتي الفتية ومفادها أن الكبار لا يقولون دوماً الحقيقة ، كما أن معتقدات أغلبية الناس ليست هي العادلة دوماً.. وأردف [المرحوم رافيتس] يقول: وقد أدركت بفضل (يائير) [قائد التنظيم السري المذكور أعلاه] أننا مقبلون على حرب الأقلية ضد الأكثرية ، حرب الضعفاء ضد الأقوياء لإنشاء الوطن اليهودي لإيواء اليهود المضطهدين من الجاليات الأوروبية لنقاتل البريطانيين الذين يحتلون بلادنا..".

وهكذا التحق [المرحوم رافيتس] بجماعة "المقاتلون من أجل إسرائيل" فيما اخترقت هذه الجماعة قلبه لتصبح – وفق كلامه هو – كالبذرة النامية. وقال رافيتس إنه جدَّ ثم وجد طريقه مع المقاتلين في صفوف جماعة "المقاتلون من أجل إسرائيل" ثم نال شرف ممارسة جل قتاله في جبهة أورشليم القدس. وأعتقد بأن الأمر لم يكن وليد الصدفة إذ إنه كان من طلاب معهد (حبرون) [الاسم العبري لمدينة الخليل] الديني ومن الذين نجوا من أحداث 1929 في الخليل على اعتبار أن والده الذي كان أيضاً من طلاب المعهد الديني ذاته قد أنقذه أحد سكان الخليل الذي أخفاه داخل منزله. وأظن بأن المرحوم رافيتس عاش دوماً تحت وقع أحداث 1929. أعتقد بأن مواقفه السياسية بُنيت على أساس إقامة والده في مدينة الخليل التي كانت بالطبع ذات غالبية عربية ، مما جعله يعتقد بأنه يمكن العيش بسلام مع جيراننا العرب طالما اعترفوا بحق اليهود في الإقامة في البلاد.

كان المرحوم رافيتس إذاً يتحلى بحب الشعب والتوراة والوطن لكنه تميز بشيء آخر حيث كانت لديه مسحة من "الطيش" الإنساني المشوب بكثير من الحكمة وطيبة الخاطر مما جعلني أرتبط به خلال فترة ولايتي الأولى رئيساً للوزراء. كان لي آنذاك شرف التعامل معه بصفته رئيساً للجنة المالية التابعة للكنيست مما اقتضى بالطبع إجراء الاتصالات العديدة بيننا ومن ثم نشأت بيننا علاقة خاصة.

أتذكر كيف قمت بعيادته قبل وفاته بثلاثة أيام (علماً بأنه توفي يوم الخميس الموافق 6 يناير كانون الثاني 2008 حيث صادف ذلك اليوم عيد ميلاده الخامس والسبعين) ولن أنسَ ما اكتشفته. لم يعُد المرحوم رافيتس في تلك الساعة يلازم فراش المرض بل كان محتضراً في طريقه إلى الآخرة كما يقولون ، لكنه ابتسم بسمته المعهودة تلك. وجئت أنا لأتحدث عنه فيما أراد هو الحديث عني. إنه كان راقداً في فراشه مرهقاً تماماً لكنه ظل يتحدث عن الاحتياجات العامة والأوضاع السائدة ، وعندئذ طلبت منه أن يخلد إلى الراحلة ، إلا أنه اكتفى بالابتسام ولمعت عيناه بالبريق ، ورغم حالة الإجهاد التي أصابته إلا أنه ظل مصراً على طرح الأسئلة حول الأوضاع وكيفية التعامل معها. أتذكر أن المشهد لمس قلبي بشكل جعلني أكاد أدمع لكن خطر لي أنه يليق برجل كهذا أن يُمنح كل الدعم الممكن حتى في لحظاته الأخيرة. إنه كان صاحب إرادة وتصميم فريد وكان متشبثاً بممارسة واجباته العامة حتى الهلاك مما أثار لدي – ولديكم أيضاً بالتأكيد – الدهشة والعجب.

أيها أبناء عائلة رافيتس العزيزة ، إنكم لازمتموه حتى الرمق الأخير ، ولذا أود أن أقول لكم باسم هذا المقر [الكنيست] كله ونيابةً عن جميع أبناء الشعب في إسرائيل: إن عزيزكم قد ودّعنا لكننا لن نودّع ذكراه. وقد وضع موته حداً لسيرة حياة مجيدة إلا أن ذكراه ستظل حية طيلة سنوات عديدة ، وسيتأثر كل من يقرأ هذه السيرة بالبصمة التي تركها فينا أجمعين ، كما جاء على لسان النبي إشعياء (الأصحاح 25 الآية 8): "ويُبيدُ السَّيِّدُ الرّبُّ الموتَ إلى الأبدِ ويمسَحُ الدُّموعَ مِنْ جميعِ الوجوهِ.."

للطبع أرسل الى صديق
  ملفات للتنزيل
   كلمة رئيس الوزراء في سياق الجلسة التي عقدتها الكنيست لإحياء ذكرى نائب الوزير وعضو الكنيست المرحوم أبراهام رافيتس
 
شارع كابلان 3 مجمع الدوائر الحكومية القدس 91950
جميع الحقوق محفوظة © 2010 دولة اسرائيل